نصر حامد أبو زيد
66
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )
بالقراءة وكانت الاستجابة الأولى من جانب محمد هي الرفض « ما أنا بقارئ » الذي تكرر ثلاث مرات في كل مرة يغطّه الملك حتى يبلغ منه الجهد ، ثم استسلم أخيرا وقال « ما أقرأ ؟ » ومن الضروري هنا قبل أن نمضي في تحليل النص أن نتوقف عند مسألتين هامتين : المسألة الأولى أن الأمر بالقراءة هنا أمر بالترديد ، و « اقرأ » معناها « ردّد » وذلك على خلاف الفهم الشائع حتى الآن والمستقر نتيجة تطور دلالة الفعل « اقرأ » مع تطور مماثل في اطار الثقافة أدى إلى تحويلها من الشفاهية إلى التدوين . وينبني على هذا الفهم - وهذه هي المسألة الثانية - أن قول النبي « ما أنا بقارئ » لا تعنى الاقرار بالعجز عن القراءة ، فهذا الفهم يصح في حالة الخطأ في فهم معنى الفعل « اقرأ » ، بل المعنى « لن اقرأ » ، والعبارة تجسد حالة الخوف التي انتابت النبي حين فاجأه الملك ، فأخذ يكرر « ما أنا بقارئ » ثلاث مرات وفي كل مرة يحاول الملك تهدئة روعه . ويؤكد هذا الفهم من جانبنا أن النبي بعد تحقيق فعل القراءة - استجابة لإلحاح الملك وخشية من غطة رابعة - أسرع إلى خديجة « ترجف بوادره » وقد سيطر عليه الخوف والفزع . لقد كان هذا التوقف ضروريا ، إذ فهم الموقف كله في مرحلة متأخرة بطريقة أخرى ، ففهم قول النبي « ما أنا بقارئ » على أساس أنه اقرار بالعجز عن القراءة نتيجة للأمية ، كأن جبريل المبعوث من اللّه لا يدري هذه الحقيقة . وبناء على هذا الفهم كان لا بد أن يتضمن الموقف كله نوعا من المعجزة حيث استطاع النبي « الأمي » أن يقرأ بفعل معجزة « الغطّ » من جانب جبريل . ولكن مثل هذا التأويل للموقف كله لا يستطيع أن يجيب عن سؤال بسيط فحواه : إذا كان ثمة معجزة قد تحققت في هذا الموقف ، فلما ذا كان النبي يستعين بمن يقرأ له الرسائل ويكتبها له ؟ أم أن المعجزة كانت معجزة مؤقتة زال أثرها بانتهاء هذا الموقف الخاص ؟ ولكي تكتمل جوانب التصور تم إضافة بعض العبارات إلى الرواية الأولى التي تصف الموقف ، وذلك من مثل أن جبريل أتاه بنمط - أو بنمط من ديباج - وقال له « اقرأ » : اخرج ابن أشتة في كتاب المصاحف عن عبيد بن عمير قال : جاء جبريل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم بنمط فقال : اقرأ ، قال ما أنا بقارئ ، قال : اقرأ باسم ربك فيرون أنها أول سورة أنزلت من السماء ، وأخرج عن الزهري أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم كان بحراء ، إذ أتى ملك بنمط من ديباج فيه مكتوب اقرأ باسم ربك الذي خلق إلى ما لم يعلم « 1 » . ولا شك أن هذه الزيادات والإضافات قد ساهمت مع ما سبقت الإشارة اليه من تصور وجود خطي سابق للنص في اللوح المحفوظ - كل حرف بقدر جبل قاف - في تكريس
--> ( 1 ) السيوطي : الإتقان في علوم القرآن : الجزء الأول ، ص 23 - 24 .